بعد مسيرة بدأت عام 1953.. حاضنة نجوم الأوبرا في فيينا تودع جمهورها مع وقف التمويل وسياسات التقشف
النمسا ميـديـا – فيينا:
شهدت العاصمة النمساوية مساء الثلاثاء فصلاً حزيناً من فصول خطط التقشف الاقتصادي التي تطال قطاع الثقافة في البلاد، حيث رُفع الستار للمرة الأخيرة في دار “Wiener Kammeroper” (أوبرا الغرفة بفيينا) العريقة للإعلان عن العرض الأول والختامي لإنتاجهما الأخير، لتكون الدار أولى الضحايا البارزة للموجة الجديدة من تقليص الميزانيات الثقافية التي تعتزم الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات فرضها، بحسب ما نقله الموقع الإخباري لهيئة الإذاعة والتلفزيون النمساوية “ORF”.
ليلة الوداع الأخير لجمهور الأوبرا وعروض مميزة
خيّمت أجواء من الشجن والوداع على القاعة الذهبية والصفراء للدار العريقة خلال العرض الأخير الذي ضم عملين كوميديين من فصل واحد؛ هما “Lady Magnesia” (1975) للملحن Mieczyslaw Weinberg، و”Zweimal Alexander” (1937) للملحن Bohuslav Martinu، وتميز العرضان، اللذان أخرجتهما الرائدة Anne Bernreiter، بتقديم نقد ساخر وعبثي لقضايا الزواج والغيرة وسط تفاعل وأصوات ضحك وتصفيق حار وطويل من الجمهور الذي لم يودع العرض الحالي فحسب، بل ودع عقوداً من الإنتاج الثقافي الغزير، خاصة بعد فشل عريضة وقع عليها 3500 مواطن لمنع الإغلاق الذي وصفه المدير التنفيذي Franz Patay بأنه إجراء “مؤقت”.
تاريخ حافل كحاضنة ومصنع عالمي لأبرز نجوم الفن
تأسست “Wiener Kammeroper” عام 1953 على يد المايسترو الهنغاري Hans Gabor، وشكلت على مدار عقود الحاضنة الأساسية والمصنع الأهم للمواهب الغنائية والإخراجية ومصممي الديكور في فيينا، ومن أبرز من انطلقت مسيرتهم المهنية من هذا الصرح الفني، مدير دار أوبرا فيينا الحكومية السابق Eberhard Waechter، والمديرة الحالية لدار “Volksoper” السيدة Lotte de Beer، بالإضافة إلى نجمة السوبرانو العالمية Angela Gheorghiu التي بدأت شهرتها الدولية من خلال مسابقة “Hans Gabor Belvedere” للغناء التي نظمتها الدار.
صدمة التقشف وتخفيضات حادة في ميزانية فيينا الثقافية
انتقد المدير الفني للدار والمخرج Stefan Herheim قرارات التقشف السياسية، محذراً من أن “قرارات خفض الميزانيات المتسرعة” ستلقي بظلال قاتمة طويلة الأمد على فيينا، وهي المدينة التي يعود فيها كل يورو يُستثمر في الثقافة بثلاثة أضعاف، وتأتي هذه الخطوة في وقت تعتزم فيه مستشارة الشؤون المالية للولاية Barbara Novak (من الحزب الاشتراكي الديمقراطي SPÖ) إجراء تقليص حاد بنسبة 13% في ميزانية قطاع الثقافة والعلوم لعام 2027 لتصل إلى 308 ملايين يورو، وهو ما تعهدت مستشارة الشؤون الثقافية Veronika Kaup-Hasler بمواجهته ورفضه بشدة عبر خوض معركة سياسية للإبقاء على المشاريع الحيوية مثل بيت الفنانين بـ Otto-Wagner-Areal ومجمع ثقافة الأطفال في Floridsdorf.
خطط التقشف الفيدرالية وسيناريوهات إغلاق المسارح الكبرى
لا تقتصر الأزمة على العاصمة، بل تمتد بشكل أشد على المستوى الفيدرالي، حيث تشير الإطارات المالية الحالية إلى اعتزام الحكومة خفض الميزانية الثقافية تدريجياً بنسبة تقارب 20%، لتتراجع من 629.8 مليون يورو حالياً إلى 520 مليون يورو بحلول عام 2029، وفي الوقت الذي التزم فيه وزير الثقافة Andreas Babler الصمت تجاه التدابير المحددة، كشفت المحادثات السرية في كواليس الوزارة عن دراسة سيناريوهات قاسية وغير مسبوقة، شملت حسابات لإغلاق المسرح الثاني التابع لـ “Burgtheater” وهو مسرح “Akademietheater”، وإجراء تقليصات تاريخية في عروض دار الأوبرا الحكومية “Wiener Staatsoper”، بانتظار ما سيسفر عنه إعلان الموازنة الثنائية لعامي 2027/2028 من قبل وزير المالية Markus Marterbauer أمام البرلمان في 10 يونيو الجاري.



